ذهاب للمحتوى


- - - - -

طباع الإنسان تتأثر بتوقيت ميلاده



(أمية) مدينة سويدية ذات بيوت خشبية جميلة وساحرة تقع على شاطئ البحر وعلى بعد 500 كيلومتر إلى الجنوب من القارة القطبية الشمالية ولذا فاليوم في شتاء أمية لا يزيد على 4 ساعات في حين لا يتعدى العشرين ساعة في الصيف.

في هذه المدينة ذات الفصول التي يتواجد فيما بينها فوارق واضحة توصل أخصائي الطب النفسي السويدي ذو الأصل الكيني (جاينتي شوتاي) jaunty shotaiعام 2000 إلى اكتشاف مذهل حين قام بتجميع معلومات تتعلق بالأشخاص الذين يقدمون على الانتحار في مدينة أمية وتبين لـ (شوتاي) أن الأشخاص المولودين في الربيع ميالون إلى الانتحار شنقاً لوضع حد لحياتهم.

وربما ينظر الكثيرون إلى هذه المعلومة على أنها مثيرة للغرابة أو للاشمئزاز، لكن (شوتاي) ينظر إليها بشيء من الجدية التي لا تخلو من الغرابة على الإطلاق، ويرى أن اختيار الشنق كطريقة للموت بدلاً من تسميم النفس أو أي طريقة أخرى أخف دموية، دليل أو مؤشر واضح على شخصية دموية وعدوانية لدى الشخص المنتحر وإذا كانت الإحصاءات التي توصل إليها الدكتور (شوتاي) دقيقة تماماً وهو ما لا يقاربه الشك فيه، فإن المولودين في الربيع عامة ميالون حسب رأيه إلى الدموية وكأن الفصل الذي يولد فيه الشخص يؤثر في شخصيتنا.

وقام الدكتور (شوتاي) بالتحقق من التجربة والنتائج التي توصل إليها مرات ولم يجد أي خطأ، ومع ذلك قرأ كل ما كتب وقيل عن هذه الظاهرة ليتأكد إن كان أحد قبله تطرق إليها، فلم يعثر على أي شيء. في المقابل اكتشف أن تأثير الفصول على الدماغ ونموه أثار فضول الكثيرين قبله ولفترة طويلة، ففي 1929 لاحظ الطبيب النفسي السويدي( موريتز ترامر) أن الأشخاص المولودين نهاية الشتاء يمكن أن يتعرضوا أكثر من غيرهم عند سن البلوغ لمرض الانفصال وهو مرض عقلي ناتج عن اضطرا بات في الدماغ.


وأشارت دراسات أخرى إلى أن احتمالية التعرض لمرض الانفصام في نصف الكرة الشمالي يزيد بنسبة تتراوح بين 5 10% لدى الأشخاص المولودين في فبراير/ شباط أو مارس/ آذار أو ابريل/ نيسان.


وتساءل (شوتاي) “إذا كانت فصول السنة تؤثر بطريقة عنيفة في تكوين الدماغ، أفلا يمكن أن تؤثر كذلك وبطريقة أكثر دقة في بعض سمات الشخصية كالطبع مثلاً”.

ويرى الباحث أن ملامح شخصيتنا تتوارى في أعماق دماغنا وأن ميل الشخص إلى تبني بعض الأفكار أو الشعور ببعض الانفعالات والتصرف يكون وفق مساق محدد ومبرمج في دماغه وعلى سبيل المثال، نجد أن العديد من الأشخاص يمليون إلى خفض رؤوسهم لدى شعورهم بأي خطر في حين أن البعض الآخر يعطي الانطباع للمشاهد بالميل إلى اتخاذ سبيل الحيطة والحذر.


مخاطر: الواقع أنه لا توجد منطقة محددة بعينها للطباع الشخصية في الدماغ، لكن المحلل النفسي يعلم أن بعض ملامح الشخصية مرتبطة بإفراز بعض المواد، فعندما نجد أن دماغ شخص معين يفرز كمية أقل من السيروتونين (جزيء يسمح للخلايا العصبية بالتواصل فيما بينها) فمعنى ذلك أن هذا الشخص ميال إلى العدوانية.

ويفسر الباحث (شوتاي) هذا الأمر على النحو التالي:


إذا كانت البيئة أثناء الحمل تشجع أو تمنع تكون الخلايا المنتجة للسيروتونين، فإن ذلك سيكون له نتائج على شخصية الطفل في المستقبل. ولكي يتأكد (شوتاي) من هذا الأمر أجرى في عام 2001 دراسة كبيرة تتعلق بالرابط بين طباع الشخص وشهر الولادة لدى قاطني مدينة أمية.

ولكن كيف تمكن الباحث من إجراء هذه الدراسة على عدد كبير من المتطوعين؟ وما الذي سيكون عليه الحال لو الحال أن عدد الأشخاص كان قليلاً؟ أفلا يكون للمصادفة أثر على تشويه النتائج؟

لحسن الحظ أن موضوع (شوتاي) كان مثيراً للاهتمام إلى درجة أنه استطاع استقبال أكثر من ألفي متطوع. بداية التجربة قسم (شوتاي) هؤلاء إلى مجموعتين وفقاً لتاريخ ميلادهم:

مجموعة الشتاء (من أكتوبر/ تشرين الأول حتى مارس/ آذار)

ومجموعة الصيف (من ابريل/ نيسان وحتى سبتمبر/ أيلول)

ثم بدأ يطرح أسئلته على أفراد المجموعة كل على حدة بغية تضييق الدائرة وحصر طبائعهم ضمن نطاق محدود.

وخرج (شوتاي) من التجربة بنتيجة مفادها أن أفراد مجموعة الصيف الذين لديهم ميل إلى تذوق المخاطر، يجدون أنفسهم جاهزين ليخوضوا تجارب جديدة حتى ولو كانت محفوفة بالمخاطر الكبيرة كما أنهم أشخاص مولعون بحب الظهور ولذا نجدهم يبذلون الكثير للفت انتباه الآخرين باعتبار أنهم قاموا بأعمال كبيرة يستحقون عليها الإطراء.

وتساءل (شوتاي) مرة أخرى ما إذا كانت صفات هؤلاء الأشخاص أو تلك الفئة مقتصرة على سكان المناطق الشمالية من الأرض والتي يوجد بين فصولها تفاوت كبير، أم هي صفات يمكن أن توجد لدى أشخاص يقطنون في الجنوب؟ كما تساءل إن كانت هناك ملامح أخرى في شخصية المرء تعتمد على الفصل الذي ولد فيه؟

وهنا اتصل الباحث (شوتاي) بخبراء آخرين من إيطاليا وأسبانيا وبريطانيا وطرح عليهم هذه الأسئلة إضافة إلى أسئلة أخرى طرحت على الانترنت وجاوب عليها أكثر من 30 ألف شخص. ولاحظ (شوتاي) أنه هنا أيضاً تبدو الفوارق ملحوظة لكنها أقل من تلك التي تنطبق على سكان الشمال الأقصى.

على سبيل المثال تبين لـ (شوتاي) أن الأشخاص المولودين في الفترة الواقعة بين (ابريل/ نيسان وسبتمبر/ أيلول) ميالون إلى الانفتاح على الخارج (الاهتمام بكل ما هو خارج الذات)، كما أنهم يستيقظون في وقت متأخر ومتفائلون ومغامرون وأصحاب عِشرة. وفي المقابل نجد أن الأشخاص المولودين بين شهري (أكتوبر/ تشرين الأول ومارس/ آذار) هم أشخاص متحفظون ويستيقظون في وقت مبكر لكنهم متشائمون وحذرون.

وحاول (شوتاي) أن يفهم السبب الذي يؤدي إلى ظهور هذه الاختلافات في الطبائع على مر الفصول. ويعتقد الباحث أن عوامل عدة يمكن أن تحدث فوارق في الشخصية بالنسبة لطفل ما وهو في بطن أمه. وخلص (شوتاي) إلى أن العامل الأول الذي يؤثر في شخصية الطفل هو الشمس، فهي السبب في تغير درجات الحرارة والنور، بل هي العامل الرئيسي في إحداث التغيرات بين فصول السنة. الجدير بالذكر أن الضوء يؤثر في جسم الإنسان أكثر مما يمكن تخيله، فكلما تعرضنا إلى أشعة الشمس لوقت أطول كلما أصبح لون بشرتنا أشد قتامه، وإلى جانب ذلك يقوم جسدنا بإفراز بعض المواد مثل فيتامين (D) أو الميلاتونين التي تؤثر بدورها في الدماغ. وإذا كان للشمس تأثير في شخصية المرء فهل يعني ذلك أن للنجوم تأثيراً في تطبعنا بهذا الطبع أو ذاك على حد قول المنجمين؟ وهل هؤلاء صادقون في آرائهم؟ يقول (شوتاي) بالطبع لا، فتأثير الشمس يكون واضحاً لأنها قريبة منا في حين أن النجوم الأخرى بعيدة عنا بمئات السنين الضوئية ولذا لا يمكن أن تؤثر فينا ولا في طبائعنا أطلاقا.


تأثير الشـمس

تؤثر أشعة الشمس مباشرة في جسم الأم حيث تحرض هذه الأشعة الدماغ على إفراز بعض المواد مثل فيتامين (D) والميلاتونين. وتفرز المادة الأولى عن طريق خلايا البشرة بعد تعرضها لكمية كافية من الضوء. ولوحظ أن إفراز فيتامين (D) يكون منعدماً في فصل الشتاء في المناطق الواقعة إلى شمال خط الاستواء لا سيما تلك الواقعة في المناطق القريبة من القطب الشمالي.

أما عن الميلاتونين فإنها تفرز عندما تتلقى المستقبلات الموجودة في أعماق العينين أشعة الضوء ويكون إفرازها متناسباً بشكل طردي مع طول النهار ونوع الفصل أي أن إفرازها يكون أكبر في الصيف.

وفي هذه الحالة فإن الحامل يفرز جسدها فيتامين (D) في الصيف أكثر منه في الشتاء وكذلك الحال بالنسبة للميلاتونين. وحتى الآن لم يتأكد الباحثون ما إذا كان لهاتين المادتين دور في نمو أو تطور دماغ الطفل، لكن فريقاً من الباحثين الفرنسيين أثبت أن مادة السيروتونين التي تفرزها الأم، تؤثر بالفعل في نمو دماغ الطفل، لكن لا شيء يشير إلى أن إفراز هذه المادة بكميات متفاوتة يعتمد على هذا الفصل أو ذاك من السنة بشكل قاطع، ولذا يجب على الباحثين أن يجدوا رابطاً بين تأثير الشمس في الأم وتأثير الأم في دماغ طفلها.

إعداد / :ياسر دويدار